— واحد —
حركة الطاهي.
كلّ طبق يُرتَّب باليد، دون عجلة. هذا ما يفرّق وجبة عن خدمة.
عائلة، مطبخ، عنوان حيّ صار ملتقىً.
لبنان بلد صغير. أصغر من فرنسا بستّ وعشرين مرّة، ونصف عدد سكّان منطقة إيل دو فرانس، ومع ذلك مكتبة حيّة من النكهات. عالقاً بين البحر الأبيض المتوسط وسوريا، ورث الشرق والغرب في آن — ملحَ الموانئ الكبرى، عسلَ الجبال، أعشابَ الهضاب. مطبخه يشبه أرضه: سخيّ، متشعّب، يُشارَك.
في ليالي، نطبخ تلك الرحلة. لا لبنان سياحي، لا لبنان مُغرَّب — لبنان كما عشناه. ذاك الذي تحمله معك حين تترك البلد. مزات تُوضع وسط المائدة، روائح السمّاق والنعنع، خبزٌ مفتوح ما زال دافئاً. القهوة بالهيل تختم الوجبة. الوقت الذي تأخذه.
الكلّ يعرفها: لتفهم بلداً، لا بدّ أن تتذوّق مطبخه.

بالعربية، ليالي تعني «الليالي». ليالي بيروت، تحديداً. تلك التي تبقى فيها المدينة صاحية متأخّراً، تطفح فيها التراسات، تتسلّل فيها الموسيقى بين الأحاديث. تلك التي تحتفظ منها، بعد سنوات، بذكرى طبقٍ مُتشارَك بدقّة.
حين فتحنا المطعم عام 2010، هذا الاسم الذي أردنا. لا «لبناني في ليون» — ليالي. الليالي. وعدُ أجواء أكثر منه ملصق مطبخ.
بعد خمسة عشر عاماً، نواصل تقديم تلك الليالي. ظهراً أيضاً، طبعاً. لكن في المساء، حين تمتلئ الصالة هادئةً ويبدأ الطاهي بترتيب المزات، نلتقي ببيروت حقّاً.
في 38 شارع دو دوفينيه، في الدائرة الثالثة في ليون، نحن اثنان نُحيي ليالي منذ 2010. الطاهي في المطبخ — حامل شهادة في المطبخ اللبناني في البلد، متدرّبٌ على حركات صبور ومقادير دقيقة. زوجته في الصالة، ترعى الطاولات كما تُرعى الضيوف.
لا سلسلة، لا امتياز، لا فريق كبير. شخصان يُديران مطعماً كاملاً، يوماً بعد يوم، منذ خمسة عشر عاماً. هذا ما يُسمّى، باللبنانية، «أهل» — روح العائلة الممتدّة إلى من تستقبلهم. حين تدخل إلينا، لستَ زبوناً إضافياً في الصالة: أنت المائدة التي يُخرج الطاهي من أجلها أطزجَ الحمّص، المائدة التي نأخذ من أجلها الوقتَ لنروي من أين يأتي المعمول.
هذا المطبخ، مطبخه. تعلّمه في لبنان، نقلته إليه أمّه وأعمامه، صقله عبر السنين. كلّ طبق يُرتَّب كأنّه يُطهى لأولاده. هذا ما يصنع ليالي — لا وصفة سحرية، بل الحركة التي تتكرّر كلّ يوم.

عنواننا ليس عنوان حيّ بالمعنى الضيّق. معظم جيراننا المباشرين ليسوا زبائننا، والعكس صحيح. عبر الكلام المنقول يجدنا الناس — الليونيّون أوّلاً، ثم من جوارهم، ثم من يأتون من جنيف، من باريس. بعد خمسة عشر عاماً، لدينا روّاد نراهم مرّتين في السنة لكنّهم يأتون عمداً.
من أجلهم، ومن أجل من لا يعرفوننا بعد، يبقى العنوان نفسه. شارع دو دوفينيه، عند حافّة الطريق الدائري. لا تراس هذا العام، لكن صالة تمتلئ هادئةً، أطباق تخرج على إيقاع الطاهي، وساعات تمرّ دون أن تُحسب.
— واحد —
كلّ طبق يُرتَّب باليد، دون عجلة. هذا ما يفرّق وجبة عن خدمة.
— اثنان —
السوق صباحاً، المطبخ بعد الظهر، الصالة مساءً. الطزاجة ليست شعاراً تسويقياً — هي قيدٌ نفرضه على أنفسنا.
— ثلاثة —
وجبةٌ في ليالي تطول قدرَ ما يجب. لا نقلّب الطاولات. لذلك، على الأرجح، تبقى أطول ممّا توقّعت.
تنتهي الحكاية هنا. والبقية تحدث على المائدة، مساءً، بين المزات الواصلة والقهوة بالهيل التي تختم الوجبة.